ماذا بعد مؤتمر باريس؟ المشاريع في انتظار الإصلاح

16.04.2018
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Printer Friendly and PDF

حقق مؤتمر «سيدر» لدعم لبنان اقتصادياً (باريس 6 نيسان 2018) نجاحاً أقل ما يقال فيه إنه فاق كل التوقعات التي سبقت انعقاده، إذ أسفر عن وعود وتعهدات مالية تجاوز مجموعها الـ 11 مليار دولار أي ما يعادل تقريباً كلفة المرحلة الأولى من برنامج الإنفاق الاستثماري في البنى التحتية الذي تقدّمت به الحكومة اللبنانية. إستحوذ المؤتمر وما أسفر عنه من نتائج بإهتمام في الوسطين السياسي والاقتصادي وصدرت في شأنه تحليلات وتعليقات من خبراء وأكاديميين وراوحت ردود الفعل هذه بين ترحيب بنتائج المؤتمر وتنويه بالإهتمام الذي يوليه المجتمع الدولي للبنان، وبين مخاوف وقلق من قبل الذين ظنوا أن الـ 11 مليار دولار أصبحت ديناً واجباً، مشيرين إلى أن الشروط التي فرضت على لبنان تنتقص من سيادته... 

مع ذلك، فإن التعاطي مع المؤتمر ونتائجه سيأخذ مداه الأوسع بعد اجتياز استحقاق الانتخابات النيابية وإنتاج حكومة جديدة منبثقة عنها، حيث من المفترض أن يشكل المؤتمر ونتائجه ومعه البرنامج الاستثماري إطاراً أساسياً لعمل الحكومة العتيدة.

ماذا عن «سيدر»؟ كيف يمكن قراءته، وماذا بعد؟

نتائج مباشرة

ولعلّ القراءة الموضوعية لمؤتمر «سيدر» تبدأ برصد بعض الانعكاسات الإيجابية المباشرة التي برزت بوادر أولية لها تتمثل في توليد مناخ جديد أدى إلى تحسن في الأوراق المالية اللبنانية (اليوروبوندز)، كما أدى إلى تحسن سيظهر أكثر على صعيد المخاطر السيادية والتصنيف الائتماني، ناهيك عن احتمالات مرتقبة لإنخفاض ولو محدود في بنية الفوائد.

وبصورة عامة، فإن نتائج المؤتمر بأبعادها المختلفة شكلت قوة معاكسة لإتجاهات الانحدار التي يعاني منها الاقتصاد اللبناني منذ سنوات والتي شهدت تفاقماً عاماً بعد عام منذ اندلاع الأزمة السورية.

وقد عزز ذلك التقارير التي صدرت عن المؤسسات المالية الدولية ووكالات التصنيف واتسمت كالعادة بالموضوعية، وإذا كانت هذه التقارير أبدت عدداً من التحفظات المرتبطة بالإصلاح إلا أنها نظرت بإيجابية إلى النصف الملآن من «كوب» المؤتمر.

ملاحظات أساسية

غير إن المؤتمر وما صدر عنه يستدعي التوقف عند النقاط الأساسية التالية:

أولاً: لا يجوز إنكار أهمية ما أبداه المجتمع الدولي من اهتمام بلبنان في ظل ظروف اقتصادية ومالية صعبة تسود العالم بأسره ومن الأهمية بمكان أن يحظى هذا البلد الصغير كلبنان بهذه الرعاية التي قلما حظي بها بلد آخر. وجاءت استجابة المجتمع الدولي لتؤكد أن لبنان هي حاجة عربية ودولية وأن استقراره سياسياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً مسؤولية دولية.

ثانياً: حرص الرئيس سعد الحريري على أن لا يحتكر نجاح المؤتمر بنفسه مع أنه كان العامل الأساسي وراء هذا النجاح، بل عزا هذا النجاح إلى الدولة اللبنانية ممثلة برئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وهو شدّد على أن نجاح المؤتمر جاء نتيجة للتوافق السياسي، مكرراً ذلك غير مرة وفي غير مناسبة.

ثالثاً: لا بدّ من التنويه بالدور الأساسي والمحوري الذي قام به الرئيس الفرنسي 

إيمانويل ماكرون عندما قال في ختام المؤتمر: «في الوقت الذي يمر به المشرق بأحلك الظروف في تاريخه، مع المآسي القاسية التي حلّت بالشعب السوري، والشكوك التي تساور النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، والتوترات حول أكبر الدول في المنطقة، أصبح من الضروري أكثر من اي وقت مضى، المحافظة على ما هو كنز بالنسبة إلينا جميعاً، هو لبنان مسالماً، متنوعاً، متناسقاً ووفياً للتعددية التي كانت أساس إنشائه. إن حشد جهودكم (مخاطباً الرئيس الحريري) يبيّن هذه القناعة الراسخة لدى المجتمع الدولي بأن لبنان مسؤول وقوي ومحمي ويحظى بالتشجيع والدعم، هو أساسي لإيجاد ظروف السلام الذي لا بدّ منه في الشرق الأوسط.

رابعاً: إن هذه المظلة السياسية التي رفعت فوق لبنان ليست فرنسية وحسب، بل لقيت تجاوباً وتأكيداً من الرئيس الأميركي ترامب الذي عبّر بموقف قوي عن دعمه للبنان وثقته بالحكومة، وانسحب ذلك التجاوب على سائر البلدان الأوروبية.

خامساً: لقد تترجمت هذه المظلة السياسية والاقتصادية التي حظي بها لبنان من خلال الوعود والتعهدات التي صدرت عن الولايات المتحدة وفرنسا ودول أوروبية أخرى، وعن السعودية والكويت وقطر، فضلاً عن المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي والبنك الأوروبي للاستثمار والبنك الأوروبي للتعمير والتنمية، أضف إلى ذلك ان هناك تعهدات مالية موعودة من الصين واليابان وكوريا وبعض الدول الأخرى.

سادساً: أخيراً وليس آخراً، شكل برنامج الإنفاق الاستثماري وما حققه من نتائج في مؤتمر «سيدر» إطاراً عريضاً لعمل الحكومة العتيدة التي ستنتج عن الانتخابات النيابية، والتي حرص رئيس الجمهورية العماد 

ميشال عون على أن يصفها بأنها «حكومة العهد الأولى». وإنطلاقاً من أن الحكم استمرارية وإنطلاقاً مما حققه المؤتمر الذي يشكل فرصة للنهوض كما للإصلاح، فإن الأنظار مشدودة إلى الحكومة العتيدة ومدى قدرتها على استمرار التوافق والتمكن من إصدار جملة من القوانين والتشريعات بالتعاون مع مجلس النواب الجديد.

نافذة وشراكة

أما عن ماهية المؤتمر، فقد عبّر عنه خير تعبير رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري عندما وصف «سيدر» باريس بأنه جزء من مسار بدأ في روما ويستكمل في بروكسل (25 و26 نيسان الجاري) وأن العنوان واحد في هذا المسار هو: استقرار لبنان الأمني والاقتصادي والاجتماعي ومواجهة تداعيات أزمة النازحين السوريين.

واعتبر الحريري أن «سيدر» هو شراكة ما بين لبنان والمجتمع الدولي، شراكة لاستقرار لبنان، شراكة لتحقيق نمو مستدام، شراكة لإيجاد فرص عمل للشباب، شراكة لحماية النموذج اللبناني في السلم الأهلي والعيش المشترك.

وقال: «سيدر» هو بداية لعملية تحديث اقتصادنا، وبداية لإعادة تأهيل البنية التحتية، وبداية لإطلاق إمكانات القطاع الخاص، وبداية لتحقيق النمو المستدام».

وأوضح أن رؤيتنا الشاملة قائمة على أربع ركائز متكاملة هي:

-برنامج إنفاق استثماري في البنى التحتية يشمل كل المرافق والمناطق.

-إصلاح مالي بمعدل واحد في المئة سنوياً.

-إصلاحات هيكلية لتحديث الإدارة ومكافحة الفساد وتحديث التشريعات لعمل القطاع الخاص، وإصلاحات قطاعية لتحقيق الفائدة القصوى من الاستثمار في القطاعات.

-إستراتيجية لتطوير القطاعات الإنتاجية وزيادة حجم الصادرات.

الإصلاحات: إلتزام لبناني

من جهة أخرى، لا حاجة للقول بأن وعود وتعهدات الدول والمؤسسات الدولية، ومعها كذلك القطاع الخاص مشروط بالإصلاحات وقد كان الرئيس الفرنسي واضحاً في هذا المجال عندما قال في ختام المؤتمر: « إن المساهمات التي تمّ التعهد بها ستجذب الاستثمارات الخاصة، ولكن كل ذلك لا معنى له إلا بفضل التزام وتعهد الحكومة بتنفيذ إصلاحات لا بدّ منها بما في ذلك القضاء والعقود العامة، وقراراتكم الأولى كانت متوقعة، ولها بعد هيكلي. وبعد الانتخابات النيابية ستواصلون هذه الإصلاحات وأنا أعرف كم أنت (الرئيس الحريري) حريص على ذلك لأن هذا سيسمح للبنان على المدى الطويل من تحقيق النجاح، كما سيسمح لكل الذين عبروا عن التزاماتهم العلنية أن يواصلوها، وربما أن يزيدوا هذه المبالغ وأن تضاف إليها الالتزامات من القطاع الخاص، والعودة إلى اقتصاد طبيعي وقدرة على تكوين وتوظيف وتطوير قطاعات اقتصادية جيدة، سنكون إلى جانبكم في هذا العمل الذي يتطلب شجاعة كبيرة وعزماً، وآمل أن يمثل التزام اليوم إشارة قوية تجاه الشعب اللبناني لدعمه والتعبير عن تصميمه وعزمه على مواصلة هذه الإصلاحات...»

إن بدا من المجتمع الدولي إلزاماً بربط القروض بالإصلاحات، ينبغي أن يعتبره لبنان إلتزاماً منه بهذا الإصلاح الذي تأخر كثيراً وأدى إلى تراكم مشكلات بنيوية وإلى هشاشة اقتصادية.

وقبل أن نعتبر بأن ما جرى في باريس هو خضوع للمجتمع الدولي، ينبغي أن يكون هناك سؤال محوري: أليس لبنان بحاجة إلى إصلاح في ماليته العامة؟ هل ينبغي أن يواجه لبنان عجزاً متمادياً في ميزانيته السنوية من دون أن يبادر رحمة بمستقبل أجياله الطالعة، إلى اعتماد سياسة تحدّ من هذا العجز تدريجياً كسبيل أساسي لخفض المديونية؟ هل يجوز أن يبقى ثلث الموازنة لخدمة الدين العام وثلثها الثاني للرواتب والأجور وملحقاتها؟ وأن يبقى عجز الكهرباء يستنزف مليوني دولار سنوياً مع استمرار التقنين؟

إصلاحات هيكلية

إن استمرار الوضع في لبنان على ما هو عليه، يقود حتماً إلى تدهور حاد وإلى إغراق السفينة بمن وما عليها ولعلّ ورشة الإصلاح المطلوبة تقتضي معالجات جذرية تأخذ في الاعتبار الآتي:

إعادة النظر في حجم ودور القطاع العام بعد أن باتت هناك فجوة كبيرة بين حصته من الناتج المحلي وبين هذا الناتج، ولا بدّ أن يتم ذلك من خلال حملة من التدابير تقضي:

-بإلغاء الإدارات التي لم يعد لها وظيفة أو دور.

-بوقف التوظيف في القطاع العام وقفاً تاماً لفترة لا تقل عن 5 سنوات، بعد ملء الشواغر الأساسية بما هو متاح من لقاءات ضمن الملاكات الإدارية.

-الشروع بجرأة وشجاعة في انتهاج أسلوب الشراكة بين القطاعين العام والخاص في القطاعات التي تنطوي على مخاطر، واعتماد الخصخصة في القطاعات التي ليست فيها مخاطر.

-أن يترافق ذلك مع تكوين الهيئات الناظمة المستقلة في صلاحياتها لتكون مشرفة على القطاعات ولاسيما في الكهرباء والاتصالات والطيران المدني وغير ذلك.

تحسين الجباية سواء من الضرائب أو الرسوم.

شروط دولية ميسرة

إن لبنان الذي حظي بمساعدة العالم عليه أن يقدم على مساعدة نفسه لكي يستحق مساعدات الغير وعندما ننظر إلى شروط المجتمع الدولي التي طلبها من لبنان، فإننا نرى أنها ليست مستحيلة، وهي بسيطة جداً مقارنة بالشروط التي فرضها على اليونان أو على مصر على سبيل المثال.

فالإصلاح المالي بنسبة واحد في المئة سنوياً ليس تعجيزاً بل إنه متاح بمجرد إدخال إصلاحات طفيفة على مواطن الإنفاق غير المجدي.

والإلحاح على معالجة مشكلة الكهرباء تحدث فرقاً كبيراً في المالية العامة، خصوصاً إذا ما تمت حلول صحيحة لهذه المشكلة المزمنة.

إن مؤتمر «سيدر» وما أسفر عنه يوفر فرصة مهمة جداً للنهوض الاقتصادي والتنمية المستدامة، كما إنه فرصة لا تتكرر لتحقيق الإصلاحات التي من دونها ليس هناك نهوض ولا نمو مستدام، ولا وقف لنزيف الهجرة، ولا لعلاج مشكلة البطالة المتزايدة.

إن المشاريع كثيرة ولكن تنفيذها ينتظر الإصلاح، فهل تتمكن الحكومة العتيدة من تحقيق ذلك؟

حصل لبنان على قروض وهبات وصلت قيمتها إلى نحو 11.5 مليار دولار جاءت على الشكل الآتي:

-فرنسا 400 مليون يورو كقروض و150 مليون يورو كهبات.

-بريطانيا 60 مليون استرليني كقروض. 

- هولندا 200 مليون يورو على مدى 4 سنوات إضافة الى 100 مليون يورو مشروطة.

- المانيا 60 مليون يورو كقروض. 

- إيطاليا 120 مليون يورو كقروض.

- تركيا 200 مليون دولار كقروض.

- الولايات المتحدة 115 مليون دولار كهبات.

- البنك الدولي : 4 مليارات دولار قروض ميسرة على فترة تزيد على 5 سنوات.

- بنك الاستثمار الاوروبي: 800 مليون يورو قروض على مدى 5 سنوات.

- دولة الكويت تقدم 180 مليون دولار والصندوق الكويتي للتنمية يقدم 500 مليون دولار قروضاً على مدى 5 سنوات 

-قطر : 500 مليون دولار على مدى 5 سنوات

- البنك الأوروبي لإعادة التعمير والتنمية: مليار و100 مليون يورو قروض على مدى 6 سنوات

- الاتحاد الأوروبي 150 مليون يورو كهبات لدعم فوائد القروض ووعد الاتحاد الأوروبي بدرس كل مشروع على حدة لمعرفة جدواه وأهميته وإذا اقتنع قد يساهم في تمويل مشاريع من خلال قروض تمتد على سنوات وقد تصل الى مليار و500 مليون يورو.

- المملكة العربية السعودية وعدت بإعادة العمل بالإلتزام تجاه لبنان بمليار دولار كقروض ولم يعرف ما هي شروط المملكة لإعادة العمل بهذه القروض وما إذا كانت بإطار مؤتمر سيدر أو خارجه.ود ليست ديوناً

تبقى هناك ملاحظة أخيرة على المؤتمر ونتائجه رداً على من ساوره القلق من ارتفاع عبء الدين العام، وكأن مبلغ الـ 11 مليار دولار قبضه لبنان وبات ديناً متوجباً، وهنا لا بدّ من لفت النظر إلى الآتي:

-هذه الوعود تبقى وعوداً وتعهدات إلى أن يتم إنفاقها فعلاً وفقاً للشروط المطلوبة على صعيد الإصلاحات المطلوبة.

-إن هذه الديون عندما تستحق فإنها بفوائد متدنية (واحد إلى واحد ونصف في المئة) لآجال طويلة ومع فترة سماح.

-إن وقع هذه الديون المرتبطة بالاستثمار لن يكون لها أثر اقتصادي بإعتبار أنها ستولد نمواً مستداماً، والفرق كبير بينها وبين الدين الذي راكمه لبنان (نحو 80 مليار دولار) لتمويل إنفاق جارٍ غير مجد ولسد عجز سنوي متزايد في الميزانية.