نظّمتها «الاقتصاد والأعمال» و «منتدى دلفي»
القمة الاقتصادية الأوروبية - العربية الثالثة

17.12.2018
الرئيس القبرصي نيكوس اناستسيادس
من اليمين: الوزير السابق خريستوس فولياس، فيصل أبو زكي وسيمون تسوموكوس
ألكسيس تسيبراس و توفيق خوري
لقاء ثنائي بين الرئيس ألكسيس تسيبراس ووزيرة الإندماج والشؤون الخارجية في النمسا كارين كينسل
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Printer Friendly and PDF
برت دكاش

إكتسبت «القمة الاقتصادية الأوروبية - العربية» في دورتها الثالثة هذا العام أهمية كبيرة عكستها المشاركة الأوروبية والعربية الرفيعة المستوى، والتي تمثلت برؤساء دول وحكومات ونحو 800 مشارك من كبار المسؤولين وقادة الأعمال العرب والأوروبيين، كما تجلت أهمية القمة بتأكيد الجانبين الأوروبي والعربي على دورها في توثيق الروابط القائمة بين أوروبا والبلدان العربية وتعزيز الحوار والتعاون بينهما، مع التشديد على دور اليونان كحلقة وصل. 

نظّمت القمة التي انعقدت برعاية رئيس الجمهورية اليونانية بروكوبيس بافلوبولوس، وافتتحها رئيس الوزراء ألكسيس تسيبراس في أثينا يومي 29 و30 أكتوبر الماضي، مجموعة «الاقتصاد والأعمال» بالتعاون مع منتدى دلفي الاقتصادي ومع شركة اتحاد المقاولين (CCC).

  شارك 85 متحدثاً في جلسات العمل التي انقسمت إلى شقيّن، الأول تناول العلاقات الأوروبية- العربية والثاني العربية - اليونانية. ففي الشق الأول، شكّل الإرهاب وهاجس الهجرة، رغم تراجع حدّتهما، نقطة محورية في كلمات المسؤولين الأوروبيين، وفي طليعتهم رئيس الحكومة اليوناني ألكسيس تسيبراس الذي دعا أوروبا والعالم العربي الى العمل على إيجاد حل سياسي للحرب في سورية برعاية الأمم المتحدة، وتعزيز الجهود المتعلقة بإعادة الإعمار وإعادة اللاجئين والنازحين، واستقرار ليبيا والعمل على حماية التعددية الدينية في الشرق الأوسط التي لها انعكاسات على أوروبا، وشدّد الرئيس القبرصي نيكوس أنستسيادس على ان بلاده تعمل على إحلال السلام والعدالة الاجتماعية ليس فقط في قبرص، إنما في دول المنطقة من أجل رخاء شعوبها داعياً إلى مواجهة التحديات التي تحول دون تحقيق ذلك مثل عدم المساواة ووفيات الأطفال والعوامل التي أدت إلى ظهور الإرهاب والتطرف الديني والاعتداء على حقوق الإنسان والدولة، وأكّد على وجود دور أساسي للاتحاد الاوروبي عبر التحرك السياسي والاجتماعي لإيجاد حلول لتداعيات الاضطرابات في الشرق الأوسط التي أدت إلى تشريد الملايين وأرخت بثقلها على عدد من الدول الأوروبية والعربية على حدّ سواء. 

وفي هذا السياق، إنطلق مفوض الاتحاد الأوروبي للهجرة والشؤون المحلية والمواطنة ديميتريس أفراموبولوس من عمق الروابط العربية والأوروبية ليشدد على ضرورة تعزيز التعاون في هذه المرحلة الحساسة التي تواجه فيها أوروبا تحديات الهجرة التي لم يشهد العالم لها مثيلاً، مذكّراً أن 10 في المئة من سكان العالم هم حالياً إما لاجئون أو مهاجرون لأسباب عدة أهمها عدم الاستقرار، الأنظمة الاستبدادية، الحروب والتغيير المناخي. 

ولفت وزير الدولة للشؤون الخارجية في قطر سلطان بن سعد المريخي إلى أن بلاده لطالما طالبت بحل النزاعات ودعم المشاريع التنموية بهدف وقف الهجرة وتحقيق الاستقرار، وأشار إلى مبادرات قطرية عدّة ترمي إلى تحقيق التنمية تحت مظلة الأمم المتحدة، مؤكداً الحاجة إلى التكاتف بين الاتحاد الأوروبي والبلدان العربية لحل النزاعات بخاصة القضية الفلسطينية والأزمة في ليبيا. 

تأكيد على أهمية التعاون لمواجهة التحديات المشتركة

الرئيس التنفيذي لمجموعة «الاقتصاد والأعمال» رؤوف أبو زكي  قال إن دول المنطقة والتي تمثل ثالث أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي تنظر إلى البلدان الأوروبية باعتبارها الشريك الطبيعي، ما يدعونا الى الاستمرار في عقد هذه القمة سواء في اليونان أم في بلدان أوروبية وعربية أخرى، ونوّه بالتحسّن الكبير الذي يشهده الاقتصاد اليوناني بعد النكسة التي أصابته حيث تدل معظم المؤشرات على هذا التحسن. 

نائب رئيس المجلس الرئاسي في ليبيا عبد السلام كجمان أكّد أن بلاده قطعت شوطاً كبيراً في معالجة مشكلة الهجرة من أفريقيا إلى أوروبا عبر ليبيا، داعياً الدول الأوروبية إلى تفهم موقع ليبيا كدولة عبور ومساعدتها على حماية حدودها الجنوبية لإيقاف عملية الهجرة. 

وزير خارجية رومانيا تيودور ميليسكانو أكّد بدوره على الحاجة إلى مبادرات وحلول لتحدي الهجرة والإرهاب الذي يواجه اوروبا، إذ يجد أن بلاده معنية بقضايا غرب القارة الأوروبية، وقال إن رومانيا من خلال ترؤسها للإتحاد الاوروبي في النصف الثاني من العام المقبل ستبذل الجهود الحثيثة لإيجاد حلول للأزمات والنزاعات وإحلال السلام في الشرق الاوسط والتعاون مع جميع الشركاء على المستوى الإقليمي. 

التعاون الأوروبي - العربي

شكل التعاون الأوروبي العربي وضرورة تعزيز العلاقات الثنائية أحد أبرز المحاور التي ناقشتها القمة، وكان تشديد من مساعد الأمين العام ورئيس قطاع الشؤون الاقتصادية في جامعة الدول العربية د. كمال حسن علي ممثلاً أمين عام جامعة الدول العربية محمد أبو الغيط على متانة العلاقة بين أوروبا والعالم العربي، وانطلق منها ليتطرق إلى الاجتماع الوزاري الأوروبي العربي العام 2016 وتحديداً الفقرة المتعلقة بإطلاق منتدى الأعمال العربي الأوروبي الذي سيجمع ممثلين رفيعي المستوى من القطاعين العام والخاص، مشيراً إلى أن القمة المنتدى يجب أن تكون بمثابة آلية للتعاون العربي- الأوروبي الذي يعزز ويدعم التعاون الاقتصادي والاستثماري بين الجانبين.

ومن جانبه، قال رئيس الاتحاد العام للغرف العربية محمد عبده سعيد إن التعاون العربي- الأوروبي يمثل في الحقيقة طاقة هائلة لأن كلاً من الاتحاد الأوروبي والدول العربية يمثلان اثنين من أكبر المجموعات الاقتصادية في العالم، غير إنه ورغم التجاور الجغرافي والمشاركة في حوض البحر الأبيض المتوسط والعلاقات التاريخية والثقافية الواسعة بين أوروبا والعديد من الدول العربية، فإن جزءاً محدوداً من هذه الطاقات الهائلة يتحقق، لذلك فإن التكامل الطبيعي الجغرافي والبشري والاقتصادي يجب أن يأخذ شكل الشراكة الإقليمية أو القارية المتكاملة الأهداف. 

قطاع النقل 

ناقشت القمة دور قطاع النقل في نمو التجارة والاستثمار بين الاتحاد الأوروبي والبلدان العربية حيث جرى التطرق إلى تأثير الشراكة الأوروبية- العربية والتعاون في مجال النقل على النمو الاقتصادي والتجاري والاستثماري وإمكانات ربط وبناء شبكات طرق وسكك حديد، وتحديد المشاريع الحيوية وترويج مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتعزيز خطوط النقل البحري بين الجانبين وآليات جذب الاستثمارات في مجالات الشحن والموانئ واللوجيستيات، وهو دور يمكن أن توفّره اليونان بشكل خاص نظراً الى تطور قطاع النقل لديها وانفتاحها على العالم، كما قال وزير الخارجية بالإنابة اليوناني جورج كاترويالوس، وكذلك الدور الذي قد تضطلع به قناة السويس في هذا السياق وفق رئيس الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري د. اسماعيل عبد الغفار، كما أكّد ذلك مدير المشروع في الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية في قناة السويس د. محمد عبدالدهب. 

تبادل الاستثمارات

في السياق ذاته، دعا محمد عبده سعيد البلدان العربية إلى فتح أسواقها لتمثل نقطة استقطاب للإستثمارات الخارجية وتوطين التكنولوجيات المتقدمة ولاسيما من الاتحاد الأوروبي الحاضر بشكل لافت في القمة. حضور يدل على اهتمام واضح تظهره دول الاتحاد الاوروبي، وتلك غير المنضوية تحت شارته، ويعكس رغبة ببناء علاقات قوية مع العالم العربي والتي تُرجمت بدعوة المسؤولين الحكوميين للمستثمرين العرب الى الاستثمار في دولهم. 

ونقل وكيل الوزارة للتجارة الخارجية في وزارة التجارة والاستثمار في السعودية عبدالرحمن الحربي حرص المملكة على الاستمرار في تحسين بيئة الأعمال وإشراك القطاع الخاص في صنع القرارات والتشريعات لإيجاد بيئة استثمارية جاذبة تهدف إلى تعزيز دور الشركاء العالميين في توطين الصناعات، ونقل المعرفة وبناء القدرات في مختلف القطاعات من خلال شراكات ذات قيمة مضافة.

 وأشار إلى أن الفرص الاستثمارية الواعدة التي تخدم التكامل الاقتصادي تتنامى في المملكة، وقد تمّ فتح  قطاعات استثمارية جديدة عدة مثل التعدين حيث تشير التقديرات الأولية إلى أن القيمة الإجمالية للموارد المعدنية في المملكة تفوق 1.3 تريليون دولار، ويتطلب ذلك استثمارات ضخمة في مجالات الاستكشاف والهندسة والتعدين والتنقيب. 

كما أكّد كجمان أن ليبيا تتطلع إلى شراكات حقيقية مع الاتحاد الأوروبي، وهي جاهزة لإيجاد فرص الاستثمار وتوفير المناخ الملائم والآمن لتشجيع الاستثمارات، في ما لفت نائب وزير البناء والإسكان والبلديات العامة في العراق دارا حسن رشيد إلى بدء تطبيق برنامج الموارد الطبيعية، وطالب الدول الأوروبية بتنظيم مؤتمر خاص بالعراق لجمع الأموال لبناء المناطق التي دمّرتها الدولة الإسلامية، كما هنالك حاجة ملحة للتكنولوجيا والمال للقيام بإعادة إعمار البلاد. 

بدوره، أكّد الوزير المفوض لدى الحكومة في المغرب الحسين داودي أنه مع تعاظم دور آسيا كقوة اقتصادية بات التكامل ضرورة وليس رفاهية، وانطلق من العلاقة بين المغرب وأوروبا التي تربطها بها اتفاقية تجارة منذ العام 1967 وهنالك تبادل تجاري حرّ بين الجانبين، ليثني على نشاط تصنيع السيارات في المملكة حيث تنتج سنوياً 17 ألف سيارة، كما ويشهد قطاع الطيران تطوراً بنسبة 20 في المئة سنوياً. وفي مجال الطاقة المتجددة، توقع ان يصل إنتاج المغرب إلى 42 في المئة من حاجتها من الطاقة المتجددة على أن تصل هذه النسبة إلى 52 في المئة في حلول العام 2030، ودعا دول جنوب البحر المتوسط وشمالها إلى التعاون في ما بينها وجعل البحر المتوسط نقطة التواصل بين الضفتين. 

حرص أوروبي على زيادة الاسثتمارات المشتركة 

اليونان على سكّة التعافي

ومن على منبر القمة الاقتصادية الأوروبية- العربية قال رئيس مجلس الوزراء اليوناني ألكسيس تسيبراس إن اليونان طوت صفحة الأزمة وبدأت صفحة جديدة حيث باتت وجهة استثمارية مهمة، متوقّعاً  زيادة الاستثمارات بنسبة 7 في المئة في العام 2018، وأشار إلى أن بلاده تسجل نمواً بنسبة 2.1 في المئة هذا العام، و2.5 في المئة العام المقبل، وهو معدل أعلى مما كان عليه قبل الأزمة، فيما تسجل السياحة أرقاماً قياسية مع وصول عدد السياح الوافدين إلى اليونان إلى 35 مليون سائح العام الحالي. كما تراجعت معدلات البطالة بنسبة 8 في المئة، مقارنة بما كانت عليه قبل اربعة أعوام حيث تم خلق فرص عمل كثيرة في أكثر من قطاع مثل النقل والسياحة والثقافة والإنتاج الزراعي والصناعي وغيرها. 

ولم يغب عن رئيس وزراء الدولة الهيلينية دور اليونان الجيوسياسي في عملية السلام والتفاوض من أجل إيجاد حلول سلمية للأزمات سواء بينها وبين ألبانيا، وبين قبرص وتركيا وقضية اللاجئين، مع إصراره على حماية حقوق اليونان السيادية في بحر إيجيه وجنوب شرقي المتوسط، وضرورة تفعيل الحوار وحسن الجوار والتعاون مع تركيا، وأكّد على وجوب إحياء المحادثات السابقة لحل القضية الفلسطينية القائمة على مبدأ الدولتين على أساس حدود العام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وإنطلاقاً من موقف اليونان الداعم للقضية الفلسطينية أّكد نائب رئيس وزراء السلطة الفلسطينية وزير الإعلام د. نبيل أبو ردينة على أن حلاً عادلاً للدولتين وإعادة الحقوق إلى الشعب الفلسطيني أساس لتحقيق السلام والتطور في المنطقة، مذكّراً بأنه حان الوقت ليحل السلام ليس فقط في منطقتنا إنما في العالم كله.

النفط والغاز

ركّزت كلمات المسؤولين الاوروبيين والعرب وبعض أوراق العمل على قطاع الطاقة والاستكشافات في قطاع النفط والغاز والدور الذي قد تلعبه على خط حلّ النزاعات الإقليمية القائمة، وقد تطرّق تسيبراس إلى إنجازات حكومته ولاسيما في مجال الطاقة والنقل ومدّ خط Eastmed الذي سيربط شرق المتوسط مع اليونان، وشدّد الرئيس القبرصي نيكوس أنستسيادس على أهمية استكشافات الحقول مقرونة ببرامج الاتحاد الأوروبي التي ستساهم في إيجاد حل للنزاعات القائمة والتي قد تستجد. 

وأظهر وزير خارجية رومانيا تيودور ميليسكانو دعم بلاده جميع أشكال التعاون الإقليمي في مجال الربط في قطاع الطاقة بما يؤمن ضمان وأمن توريد الطاقة والحوار لإيجاد صيغة لتكامل المرافق والأسواق، بينما قال رئيس وزراء بلغاريا بويكو بوريسوف إن هناك فرصاً كبيرة للتعاون بين دول البلقان والعالم العربي حيث هنالك مبادرات للتعاون ولقاءات تُعقد حول الطاقة والبترول والغاز. 

وفي حين دعا وزير البترول والثروة المعدنية في مصر طارق الملا إلى التعاون المشترك بين أوروبا والبلدان العربية للقضاء على الأزمات التي تواجه المنطقة وتحقيق الاستقرار الإقليمي، قال الملا إن العلاقات المتميزة بين مصر واليونان تنعكس بشكل واضح في التعاون القائم بينهما على الصعيدين الثنائي وكذلك الثلاثي مع دولة قبرص في مجال الطاقة بشكل عام والغاز الطبيعي بشكل خاص. ولعل القمة الثلاثية الماضية في كريت أبرز دليل على ذلك حيث تمّ الإعلان عن إنشاء منتدى الغاز لدول شرق المتوسط ويكون مقرّه مصر، وسيكون أول اجتماع له مطلع العام المقبل. 

وأضاف الملا أن الاكتشافات في منطقة شرق البحر المتوسط ومن بينها حقل ظهر تعدّ من الدوافع لتعزيز وزيادة ذلك التعاون بما يخدم مصالح شعوب المنطقة، وأشار إلى أن مصر تعمل على التحول إلى مركز إقليمي لتداول وتجارة الطاقة في شرق المتوسط في المرحلة المقبلة، وذلك من خلال استغلال البنية التحتية من شبكات الغاز ومحطات تسييل الغاز المتواجدة بالفعل وتحويل ما يزيد من الإنتاج بعد تغطية الطلب المحلي، فضلاً عن استعداد مصر للتكامل مع دول المنطقة لاستقبال كميات الغاز وتسييلها وإعادة تصديرها الى أوروبا.