من ختم الحملة على الفساد إلى تسديد مستحقات المقاولين
مبادرات سعودية لإطلاق حركة الأعمال والاستثمارات

08.02.2019
الملك سلمان بن عبد العزيز
الأمير محمد بن سلمان
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Printer Friendly and PDF

أطلقت المملكة العربية السعودية جملة من المبادرات التي استهدفت ترسيخ أجواء الثقة بالإقتصاد وإنعاش حركة الاعمال، ومن أهم هذه المبادرات الإعلان رسمياً عن ختم التحقيقات والملاحقات في ملفات الفساد المالي والتي بدأت في نوفمبر 2017، ومنها أيضاً إعلان وزارة المالية السعودية عن تطبيق نظام للدفع المنتظم ضمن مهلة أقصاها 60 يوماً لمستحقات المقاولين مع التأكيد على ان نحو 99 في المئة من المستحقات المستوفية للشروط قد تمّ تسديدها من قبل الوزارة.

أضف إلى الرسائل السابقة مبادرة إرسال وفد سعودي رسمي كبير ضم ثلاثة وزراء للمشاركة في منتدى دافوس حيث تمّ عقد جلسة رئيسية خصصت لمستقبل الاستثمار في المملكة شارك فيها رئيسا مصرف «مورغان ستانلي» الأميركي وشركة «توتال» الفرنسية. 

ومن الرسائل أيضاً تنظيم احتفال كبير لإطلاق خطة الاستثمار السعودي في قطاعات الصناعة والتعدين واللوجيستيات حرص الأمير محمد بن سلمان على رعايته وحضور جلساته كما حرص على أن يعقد في فندق ريتز الذي استخدم للتحقيق مع المتهمين بالفساد.

ومن المبادرات المهمة في طريق تبديد القلق وتنفيس الأجواء الثقيلة التي ولّدها اغتيال الصحافي خاشقجي، البدء بإجراءات محاكمة 11 متهماً طلب المدعي العام عقوبة الإعدام لخمسة منهم وسط تأكيد السلطات القضائية أن المحاكمة ستكون شفافة وستساهم في كشف الملابسات الحقيقية للجريمة وإنزال العقاب بالمسؤولين عنها وإخراج القضية بالتالي من دائرة التجني الإعلامي والإستغلال السياسي. 

وبعيداً عن قضية خاشقجي، فإن الحملة على الفساد التي مثلت حدثاً كبيراً وتسببت بصدمة من نوع آخر للمجتمع السعودي وللمراقبين، هي في الحقيقة امتداداً طبيعياً لرؤية المملكة 2030 والاندفاعة القوية للأمير محمد بن سلمان نحو الإصلاح وتحديث الإدارة الحكومية وتحسين أدائها، ولم يكن ذلك ممكناً من دون وضع حدّ للترهل ومنظومة تقاسم النفوذ والمحميات السياسية، والتي تميّزت بصورة خاصة بشراكة مصالح بين بعض الأقوياء في الدولة وبعض مجموعات الأعمال وهو ما أدى إلى استنزاف منظّم لموارد الدولة وإشاعة تقليد من التساهل في الأمور المالية وفي ضبط الأداء الحكومي. 

وعندما أطلق الملك سلمان وولي العهد الحملة على الفساد فإنهما أرادا ولا شك إحداث صدمة سياسية - ثقافية بكل معنى الكلمة وإطلاق رسائل قوية بأن مرحلة الصفقات واستنزاف الدولة قد انتهت، وأن على أوساط الأعمال السعودية أو الأجنبية أن تتعامل مع السوق على أسس جديدة تقوم على الشفافية والأسعار العادلة والمنافسة، وكان متوقعاً أن تؤدي تلك الحملة التي شملت نحو 400 من الأمراء وكبار رجال الأعمال والمسؤولين، إلى مخاوف في أوساط الأعمال وإلى حالة من الترقب والسعي إلى التكيّف التدريجي مع الوضع الجديد. وقد ترافقت هذه التطورات مع تراجع أسعار النفط ما أدى إلى تباطؤ في حركة الاستثمارات السعودية والأجنبية في العام 2017، ولتعود الى الإرتفاع بنسبة ملموسة في 2018 مع تزايد المشاريع المعروضة على المستثمرين من القطاع الخاص.  

كان لافتاً أن إعلان السلطات السعودية عن ختم التحقيقات بملفات الفساد ترافق مع الإعلان عن أن هيئة مكافحة الفساد توصلت إلى استرداد ما يقارب 107 مليارات دولار من المتهمين الذين توفرت أدلة لإدانتهم، والهدف من الإعلان عن حجم المبالغ المستردة هو التأكيد على أن الحملة رغم أنها كانت سابقة سياسية واجتماعية في المملكة كانت مبررة وتظهر درجة تفشي المرض كما إن الصدمة التي سببتها كانت ضرورية لأنها وضعت خطاً أحمر فاصلاً بين المرحلة السابقة وبين مشروع بناء السعودية الجديدة الذي يتطلب تغييراً جذرياً في ثقافة الحكم والاقتصاد وبيئة الأعمال. 

وكشفت السلطات السعودية في هذا السياق عن أن مبلغ الـ 107 مليارات دولار هو مجموع التسويات المالية مع 83 متهماً من أصل 381 تمّ التحقيق معهم أو أخذ شهاداتهم، علماً أن هناك  56 متهماً لم تقبل السلطات بعقد تسويات معهم بالنظر إلى وجود دعاوى جزائية عالقة بحقهم كما إن ثمانية من المتهمين رفضوا عقد تسوية مالية وفضلوا بالتالي محاكمتهم بتهمة الفساد أمام القضاء.

إنها خطوات متسارعة وقوية تشير، مع الإعلانات المتوالية عن خطط الاستثمار في مجالات الصناعة والسياحة والمدن الجديدة وإطلاق أكبر ميزانية إنفاق في تاريخ المملكة، إلا أن السعودية تجاوزت مرحلة الانتقال وتوطيد الوضع الجديد، وأنها جاهزة للنهوض الاقتصادي ومتابعة الإصلاحات والمشاريع وبرامج الإنفاق الطموحة، أما الرسالة المكمّلة فهي أن أمام القطاع الخاص الذي يريد العمل ضمن القانون وقواعد التنافسية، المئات من فرص الاستثمار المجزية والشراكة مع الدولة ومؤسساتها.