هل تُنقذ الطاقة الشمسية قطاع الاتصالات اللبناني؟

03.03.2022
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email
برشلونة – إياد ديراني 
 
"لو أُتيح لي الاختيار لم أكن لأختار رفع أسعار الاتصالات، بل كنت مضيت في عملية إصلاح جذرية لقطاع الاتصالات وبعدها نبدأ في إعادة النظر بالتعرفات. أنا أعلم أنني أسلك طريقا غير طبيعي، ولكن ما المطلوب مني؟ هل المطلوب توقف الاتصالات في لبنان؟ هل نتحمل نتائج توقف الانترنت؟ هل أنتظر اتفاق السياسيين، فيما القطاع ينهار؟.. لا بديل سوى البحث عن حلول، والطاقة الشمسية قد تكون حلا فعالا". هكذا جاءت ردود وزير الاتصالات جوني القرم على سؤالنا المشكك في صوابية سلوك وزارة الاتصالات طريق رفع الأسعار بدل وقف الهدر ودمج شبكتي الخلوي وتوحيد موارد القطاع قبل الوصول إلى خيار رفع التعرفات؟ تصريحات الوزير القرم أطلقها في لقاء مع الإقتصاد والأعمال عُقد في برشلونة على هامش مشاركته في معرض الاتصالات "موبايل ورلد كونغرس" MWC. وشارك في اللقاء مدير عام الاستثمار والصيانة باسل الأيوبي ومدير عام الإنشاء والتجهيز ناجي أندراوس.
 
في مستهل اللقاء الذي كان أقرب إلى طاولة مستديرة ضمت أبرز مسؤولي الوزارة، تم طرح مجموعة أسئلة تناوب القرم وأندراوس والأيوبي في الإجابة عليها، وجاءت أبرز محاورها والأسئلة على الشكل التالي: ألم يكن من الأولى البدء بالإصلاحات وتطبيق القانون 431 وتفعيل الهيئة الناظمة ووقف الهدر قبل رفع الأسعار؟ ألا يعرّض رفع التعرفات الإيرادات لخطر الانخفاض، خصوصا بغياب دراسة مستفيضة لقدرات المستخدمين الشرائية؟ ولماذا طُرحت أسعار اتصالات جديدة لكل المستهلكين بغض النظر عن قدراتهم الشرائية، ألم يكن من الأجدى وضع شطور أسعار مرتبطة بحجم الاستهلاك لكي تتحق العدالة بين الطبقات الاجتماعية المختلفة؟ كيف نضع سعر لدقيقة للاتصالات يدفعه الغني كما الفقير، دون الاخذ بالاعتبار الفرق الهائل في قدراتهما الشرائية؟    
 

"لم أفقد الأمل"

استهل الوزير القرم اللقاء قائلا: "نحن مضطرون لرفع الاسعار لكي يبقى القطاع، لكنني لم أفقد الأمل بإطلاق مراجعة شاملة للقطاع تتضمن تطبيق القانون 431 وإطلاق ليبان تيليكوم وتوحيد موارد شبكتي الاتصالات الخلوية وتقليص التكاليف. ولا زلت أتابع هذا الموضوع مع كل السياسيين. لكنني لا أستطيع أن أنتظر تنفيذ هذا المشروع الكبير في وقت باتت فيه الخدمات معرّضة للتوقف. ولدي وجهات نظر متطابقة مع رئيس الوزراء نجيب ميقاتي على صعيد تطبيق القانون 431 وتفعيل الهيئة الناظمة وإطلاق ليبان تيليكوم، ونحن اليوم بصدد دفع رأسمال شركة ليبان تيليكوم الذي يبلغ مليار ليرة، ويجب تنفيذ الإيداع المصرفي".
 
ويضيف: "عندما استلمت مهامي قلت بكل وضوح أن وزارة الاتصالات لا تعيش منفردة في جزيرة مستقلة، نحن جزء من المنظومة التي تجمع الحكومة وسائر مؤسسات الدولة. وأي سياسات نريد انتهاجها في وزارة الاتصالات ستكون منضوية تحت مظلة السياسة الشاملة التي تعتمدها الحكومة، وجزءا من كامل استراتيجيتها. لكن خطة النهوض الاقتصادية الشاملة التي يجب أن نكون جزءا رئيسيا منها تأخرت، وتسارعت الأحداث إلى أن وصلنا إلى مرحلة بتنا مضطرين فيها إلى إعادة النظر بتعرفات قطاع الاتصالات لتحقيق الاستمرارية في القطاع، وهذا واقع لا استطيع تغييره. لم يكن لدينا ترف الاختيار بين الاصلاحات وإعادة النظر بالتعرفات. نحن نعرف مدى صعوبة وضع المواطن اللبناني اليوم وما يعانيه على صعيد الاختلال الكبير بين مدخوله ومصاريفه. لكننا أمام تحد كبير يتمثل في تحقيق استمرارية خدمات قطاع الاتصالات، ولا يمكننا الوصول إلى مرحلة نقول فيها للناس لم يعد لدينا خدمات اتصالات في لبنان. في قطاع الكهرباء الوضع مختلف، إذ يمكن للمواطن أن يلجأ لخيارات أخرى مثل الاشتراك في مولد الحي أو الطاقة الشمسية، أما خدمات الاتصالات فلا يمكن الحصول عليها سوى من وزارة الاتصالات وشركات الخلوي، ولا بديل عنهم. إنطلاقا من هذه المعطيات درسنا كلفة تحقيق الاستمرارية ومضطرون إلى اتخاذ قرارات. وبذات الوقت نحاول وبالقدر المُستطاع، أخذ الوضع المعيشي للناس بعين الاعتبار، وتقديم منتجات تتناسب مع قدراتهم الشرائية".
 
ويشرح قائلا: "في السابق كان متوسط العائد من كل مستخدم (ARPU) في شبكتي الخلوي نحو 26 دولارا ولا شك أنه كان مرتفعا جدا، أما في الدراسة الجديدة التي أجريناها تبين أننا بحاجة إلى 8 دولارات كمتوسط عائد لكل مستخدم لتأمين استمرارية القطاع. ويجب أن نلغي مفردة "دولار الاتصالات" من التداول لأننا عاجلا أم آجلا سنصل إلى التسعير بحسب سعر صرف واحد تعتمده كل إدارات الدولة. ولا حلّ اقتصادي مُستدام في لبنان لا يُبنى على سعر صرف واحد. لكننا لا نستطيع رفع الاسعار بشكل فوري، لهذا اعتمدنا على احتساب "دولار الاتصالات" بما يوازي نحو 30 في المئة من سعر الدولار في منصة صيرفة والذي يبلغ نحو 21 ألف ليرة".
 

"200 طن مازوت يوميا"

ويعقّب أندراوس على كلام الوزير قائلا: "قطاع الاتصالات في لبنان بكل مكوّناته يحتاج كل 24 ساعة إلى 200 طن مازوت، ولكي تشتري هذه الكمية تحتاج إلى إيرادات، فكيف يمكن تغطية هذه التكاليف فيما أسعار الاتصالات لا زالت تُحتسب على سعر صرف للدولار يساوي 1500 ليرة؟. من دون إيرادات كافية لا نستطيع الإستمرار". 
 
من جهته يضيف الأيوبي حول موضوع تأمين كلفة المازوت، فيقول: "نحن وزارة الاتصالات ولسنا وزارة الطاقة وغير مسؤولين عما وصلت إليه الطاقة الكهربائية. نحن مشغولون دائما كفريق مع وزير الاتصالات بقضية المحروقات والطاقة؟ هل هذا هو عملنا؟ هل هذا ما يجب أن نتفرغ له ليلا نهارا؟". 
 
ويتابع الوزير القرم قائلا: "حتى اليوم لا زالت البنية التحتية لقطاع الاتصالات تعمل بشكل كامل على الرغم من الأعطال التي تحصل، نظرا لانتهاء صلاحية بعض المعدات. لم نصل بعد إلى مرحلة عدم القدرة على استبدال المعدات الضرورية لعمل شبكات الاتصالات. لكن مشكلتنا الكُبرى اليوم هي الانقطاعات الطويلة في الطاقة الكهربائية الضرورية لتشغيل المحطات. وبشكل مستمر نعاني من توقف عمل نحو 200 إلى 250 مركز من أصل 1300 في كل شركة خلوي بسبب عدم توفر الطاقة الكهربائية. أما المعدات الضروية لتشغيل الشبكتين فمتوفرة، ويجب أن نحافظ على توفّر هذه المعدات دوما. لكن أي قطاع يعاني من من عدم توفر الموارد المادية والبشرية، سيذهب في النهاية إلى الإنهيار. وما نفعله اليوم هو بذل الجهود لتأمين استدامة عمل القطاع واستمرارية الخدمات".
 
من جانبه قال أندراوس: "القطاع يعاني من نزيف في الموارد البشرية التي يسجل فيها خسائر فادحة، وهذا أمر بالغ الأهمية لأن قطاع الاتصالات لا يستطيع متابعة المسيرة من دون الموظفين الذين يتمتعون بالخبرات. صحيح أننا لا نعاني في هذه اللحظة من مشكلة بنية تحتية ومعدات، لكن من سيدير هذه البنية التحتية إذا فقدنا مواردنا البشرية؟ من جهة أخرى، إذا حدثت مشاكل تقنية قد لا نكون في وضع يسمح لنا بالحصول على المعدات إذا لم تتوفر الإيرادات الكافية لشراء ما هو مطلوب. وهذا ينطبق على شبكتي الخلوي وشبكة الاتصالات الثابتة. حاليا أبرز مشاكلنا تتركز عند نقص الطاقة الكهربائية، التي باتت شحيحة جدا، وبذات الوقت تم رفع الدعم عن مادة المازوت الضرورية لاستدامة خدماتنا. هذه التطورات غيّرت كل المعطيات".
 
ويضيف القرم فيشرح: "في السابق كانت كلفة المازوت تشكل 7 في المئة من مصاريفنا، أما اليوم فتشكل 64 في المئة، بينما لا تزيد كلفة الرواتب على 10 في المئة و3 في المئة تذهب إلى إيجارات مواقع محطات الاتصالات. وهذا يعني أن الطاقة باتت تشكل البند الأكبر والأكثر تكلفة في ميزانية الانفاق، ولهذا يجب أن نتعامل مع هذه المتغيرات بواقعية". 
 

التعاون مع القطاع الخاص

وحول التعاون مع القطاع الخاص قال القرم أنه يمكن القيام بعدد من الخطوات مع شركات مثل هواوي وغيرها، لكن المهم أن يكون التعاون على المدى البعيد، وأن يتم العمل بروحية الشراكة، لأن العلاقة بين الدولة والشركات تمر في مراحل تتسم بالتحديات. وقال: "أؤكد للشركات أن لبنان الذي يعاني اليوم من مشاكل، سيخرج في النهاية من النفق الذي يمر فيه".
 
وعقّب أندراوس فقال أنه تم إجراء اجتماع بين الوزارة وممثلين عن وزارة الاتصالات الإسبانية بهدف مساعدة لبنان في مشروعين الأول يتعلق بالترددات والثاني بالطاقة. وأضاف: "كذلك سنجري خلال زيارتنا الحالية إلى اسبانيا اجتماعا مع مؤسسة CYTA القبرصية (Cyprus Telecommunications Authority) بهدف التعاون في إنشاء كابل اتصالات بحري بين بيروت وقبرص، يحلّ مكان كابل قدموس. وسنحاول في هذا المشروع اعتماد نموذج مشاركة الإيرادات، بحيث يموّل الطرف القبرصي المشروع، بينما يدفع لبنان حصته من خلال مشاركة الإيرادات". 
 
من جهته أضاف الأيوبي أن الوزارة منفتحة على التعاون مع كل الشركات التي تستطيع تنفيذ مشاريع الطاقة الخضراء والطاقة المتجددة المموّلة من أوروبا أو الصين. وعقب الوزير القرم قائلا: "ثمة مشروع تتم دراسته مع شركة هواوي لتأمين نظام يوفّر في استهلاك الطاقة تحت مظلة ما يسمّى "الطاقة الذكية" يتضمن استخدام بطاريات الليثيوم وألواح الطاقة الشمسية. وستتم دراسة طريقة تمويل المشروع، لكن في المرحلة الأولى سيتم تنفيذ جزء مصغّر (Pilot) منه للإطلاع على طريقة عمله والنتائج التي يمكن أن يحققها. ومن المتوقع أن يساهم هذا المشروع في تخفيض كلفة الطاقة بنحو 74 في المئة في كامل البنية التحتية لشبكات الاتصالات، وهو الأمر الذي يمكن أن يشكل حلا بالغ الأهمية في هذه المرحلة الحرجة".     
 

الـ 431 أو نهاية قطاع الاتصالات

ويختم الوزير قائلا: "كل ما أتمناه عندما تنتهي فترة مسؤولياتي كوزير أن أكون قد طبقت القانون 431 وأطلقت ليبان تيليكوم وفعّلت نشاط الهيئة الناظمة. لأن مستقبل قطاع الاتصالات في لبنان لا يتطلب وزارة للاتصالات. البارحة كنا في اجتماع مع إحدى الشركات الفرنسية وذكرنا كيف أنه في فرنسا لا يوجد وزارة اتصالات". 
 
ويعقب أندراوس قائلا: "أُقرّ القانون 431 في حزيران 2002 أي منذ 20 عاما، وأستطيع أن أؤكد أنه إذا لم يتم تنفيذ هذا القانون خلال الأشهر الـ 18 المقبلة نحن أمام معضلة لا حلّ لها. الوزارة بدأت تفرغ من الخبرات، لم نعد نستطيع تشكيل لجنة استلام أو لجنة فضّ عروض، الموظفين يرحلون والعديد منهم تقاعد، لا يمكن تأجيل تنفيذ الـ 431. إذا أردنا أن يبقى قطاع الاتصالات علينا التصرف، الآن وليس غدا". ويضيف الأيوبي مُختتما اللقاء: "بلغ الشغور في الوزارة نحو 92 إلى 94 في المئة، ومعدل الأعمار بلغ 59 عاما في وزارة متخصصة في الاتصالات والتكنولوجيا، فيما يجب أن يكون معدل الأعمار أقل بكثير. فضلا عن أن اجراءات كورونا خفضت حضور الموظفين بشكل هائل".