بروفيسور مكي مدني الشبلي*
تعاني حكومة "بورتسودان" وحكومة "نيروبي" المزمعتين من غياب الشرعية الدستورية لكليهما، مما يجعلهما عرضة للتبعات القانونية والسياسية الوخيمة داخلياً وخارجياً.
حكومة بورتسودان المزمعة التي يقف خلفها الفريق أول البرهان وحلفاؤه تستند على التعديل غير المشروع للوثيقة الدستورية لعام 2019 التي تستمد شرعيتها من شرعية ثورة ديسمبر الشعبية بعد أطاحتها لحكم الإنقاذ الاستبدادي الفاسد.
تظل الوثيقة الدستورية المُوَقَّعَة بين قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي في أغسطس 2019 الشرعية الحصرية والمرجعية الدستورية الوحيدة في السودان لانبثاقها عن شرعية ثورة ديسمبر 2018. ولا يجُبَّها إلا دستور ينبثق عن مرجعية انتخابية، بعد استيفاء كامل المهام المسندة للفترة الانتقالية التي حددتها الوثيقة الدستورية (المادة 8).
لا يجوز إلغاء أو تعديل الوثيقة الدستورية إلا بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس التشريعي (المادة 78).
لا يجوز تكوين المجلس التشريعي إلا بقوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي وفق ما ورد في الوثيقة الدستورية (المادة 24).
وعليه فإن كل ما يصدر عن حكومة بورتسودان المزمعة خاضع للطعن وعدم الاعتراف الشعبي والدولي لافتقاره للأساس الدستوري والقانوني ذي المصداقية نظراً لصدوره من مجرد سلطة أمر واقع.
وفي المقابل فإن حكومة نيروبي (تأسيس) المزمعة تعاني من عدم القدرة على اكتساب الشرعية وفرض القانون داخل حدود جغرافية آمنة، إذ اضطر داعموها لإعلانها من الخارج وليس عبر عملية دستورية من داخل السودان، الأمر الذي جعلها أقرب إلى حكومة منفى.
رغم سعي التحالف الداعم لهذه الحكومة المزمعة لضم قوى ثورية ومدنية لتعزيزها، إلا أن ذلك التحالف لم يتَّبِع إجراءات قانونية موثوقة ليضع لها مرجعيَّة دُستوريَّة يرتكز على شرعية ثورية، أو استفتاء شعبي، أو تفويض انتخابي.
وعليه يحق لأي طرف اعتبار حكومة نيروبي مجرد كيان رمزي وواجهة دبلوماسية لتحالف سياسي لا يملك صلاحيات تنفيذية ولا تأثير فعلي.
ويؤكد ذلك أن الطرح لتكوين حكومة تأسيس من نيروبي قد واجه رفضاً إقليمياً ودولياً مما يشكل عقبة كأداء تقضي على أي طموح في حصول الحكومة المزمعة على أي اعتراف شعبي داخلي، مما يحيلها لمجرد كيان رمزي يفتقر للمصداقية والموثوقية.
وبناء على ذلك فإن كلتا حكومتي بورتسودان ونيروبي المزمعتين تعانيان من مأزق الشرعية الدستورية حتى لو سيطر أي منهما على الأرض عن طريق الحرب المستعرة، أو حاز على بعض الدعم الإقليمي المُغْرِض.
ومُحَصَّلَة ذلك أن كلتا الحكومتين هشّّتان سياسيَّاً وقانونيَّاً، مما يجعل السودان في حالة فراغ دستوري عميق ويزيد من احتمالات اندلاع الفوضى الضَرُوس، أو البحث عن حكومة ثالثة بديلة عبر توافق داخلي بين قوى ثورة ديسمبر المدنية والمؤسسة العسكرية بدعم إقليمي ودولي.
*المدير التنفيذي – مركز مأمون بحيري، الخرطوم